عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي
208
منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين
فله من ذلك السمع حظ لا محالة من حيث الظاهر ، وإن كان القلب الذي هو السامع مشعرا بحقيقة استماعه ، فإنما يكون ذلك لمباينة بين الظاهر والباطن ، فإن هذه المباينة لا ترتفع البنة بواسطة المجاهدة والرياضة ، فإذا سمع الإنسان صوتا سواء كان ذلك الصوت موزونا مناسبا أو لم يكن ، فله من ذلك السمع حظ لا محالة من حيث الإدراك الحسي ، فإن كان له مع هذا الحسن روح الحسن ، أي السمع الحقيقي كان له منه حظان اثنان : أحدهما : إدراك الحس . وثانيهما : حظ إدراك السمع الحقيقي وإن كان السمع الحقيقي لا يتوقف على ما يستفيد من السمع الظاهر ، فإن له في عالمه إدراكات غير محصورة ، ولذلك قال بعض المشايخ : وفي فؤادي قول يغنيني ، ففي مبدأ ظهور هذا السمع يغلب عليه تصرفات هذا الحس إذ هو قشره وقالبه فيتخير إدراكاته . فإذا كمل وبلغ الغاية القصوى عمت الأوقات كلها ، إذ منبعه الحقيقي فوق عالم الزمان والمكان . فإذا التفت السالك إلى الكون سمع تسبيح الأشياء بأسرها وإن من شيء إلا يسبح بحمده ، وإذا اختطفه الحق سبحانه وتعالى عن الكون سمع كلام الحق سبحانه ، فاستغرقت أوقاته في السماع ، ولذلك قال الحصري : إيش اعمل بسماع ينقطع إذا انقطع منه من يسمع ، ينبغي أن يكون سماعك سماعا متصلا غير منقطع . فإذا سمع السالك صوتا واستوفي الصماخ منه حظه والسمع الحقيقي حقه ، فلو كانت المباينة بين الظاهر والباطن مرتفعة بالمجاهدة وغيرها ، أمكن للسامع أن يعبر عما هو مسموع سمعه الحقيقي من مجرد الصوت الظاهر بكلام منظور معلوم ، فيسمع من صوت البراعة كلاما معلوما مفهوما ، وكذلك من سائر الأصوات كصرير الباب وأصوات الطيور وغيرهما . روى عن أمير المؤمنين وقدوة السالكين علي - رضي الله عنه - أنه سمع صوت ناقوس فقال لأصحابه : أتدرون ما يقول ؟ قالوا : لا . قال : إنه يقول : سبحان الله حقا حقا إن المولى يبقى . أورده الأستاذ أبو القاسم القشيري في الرسالة . وقال أيضا : سمعت السلمي يقول : دخلت على أبي عثمان المغربي وواحد يستقي الماء من البئر على بكرة . فقال : يا أبا عبد الرحمن ، تدري إيش تقول البكرة ؟ فقلت : لا . فقال : يقول الله . وهذا ربما تستبشعه العقول الغير مستخلصة عن آفات البشرية ، ومن لم يذق لا يدري . فأما إذا لم تكن المباينة مرتفعة لا يمكنه أن تغير منه بشيء مفهوم وربما لا يشعر بسماعه وإن سمعه ، وغير ذلك السماع حالته في الظاهر ، وهذا هو حال أرباب